فخر الدين الرازي
207
تفسير الرازي
مقدمة من مقدمات ذلك الدليل الدقيق ، فيعود الشك والشبهة ، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك ، فالمقصود من إعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم ، بحيث لا يحصل عقيبه البتة شك ولا ريب . السؤال السادس : جمهور المفسرين قالوا في تفسير قوله : * ( الذين في قلوبهم مرض ) * إنهم الكافرون وذكر الحسين بن الفضل البجلي أن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ، فالمرض في هذه الآية ليس بمعنى النفاق ، والجواب : قول المفسرين حق وذلك لأنه كان في معلوم الله تعالى أن النفاق سيحدث فأخبر عما سيكون ، وعلى هذا تصير هذه الآية معجزة ، لأنه إخبار عن غيب سيقع ، وقد وقع على وفق الخبر فيكون معجزاً ، ويجوز أيضاً أن يراد بالمرض الشك لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم كانوا قاطعين بالكذب . السؤال السابع : هب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا مقصودين من إنزال هذا المتشابه ، فكيف صح أن يكون قول الكافرين والمنافقين مقصوداً ؟ الجواب : أما على أصلنا فلا إشكال لأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، وسيأتي مريد تقرير لهذا في الآية الآتية ، وأما عند المعتزلة فإن هذه الحالة لما وقعت أشبهت الغرض في كونه واقعاً ، فأدخل عليه حرف اللام وهو كقوله : * ( ولقد ذرأنا لجهنم ) * . السؤال الثامن : لم سموه مثلاً ؟ الجواب : أنه لما كان هذا العدد عدداً عجيباً ظن القوم أنه ربما لم يكن مراد الله منه ما أشعر به ظاهره بل جعله مثلاً لشيء آخر وتنبيهاً على مقصود آخر ، لا جرم سموه مثلاً . السؤال التاسع : القوم كانوا ينكرون كون القرآن من عند الله ، فكيف قالوا : ماذا أراد الله بهذا مثلاً ؟ الجواب : أما الذين في قلوبهم مرض ، وهم المنافقون فكانوا في الظاهر معترفين بأن القرآن من عند الله فلا جرم قالوا ذلك باللسان ، وأما الكفار فقالوه على سبيل التهكم أو على سبيل الاستدلال بأن القرآن لو كان من عند الله لما قال مثل هذا الكلام . قوله تعالى : * ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) * وجه الاستدلال بالآية للأصحاب ظاهر لأنه تعالى ذكر في أول الآية قوله : * ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) * ثم ذكر في آخر الآية : * ( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ) * ثم قال : * ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) * أما المعتزلة فقد ذكروا الوجوه المشهورة التي لهم أحدها : أن المراد من الإضلال منع الألطاف وثانيها : أنه لما اهتدى قوم باختيارهم عند نزول هذه الآيات وضل قوم باختيارهم عند نزولها أشبه ذلك أن المؤثر في ذلك الاهتداء وذلك الإضلال هو